أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

147

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لعلّ واسمها وخبرها ، وإذا ورد ذلك في كلام اللّه تعالى ، فللناس فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ « لعلّ » على بابها من الترجّي والإطماع ، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين ، أي : لعلّكم تتقون على رجائكم وطمعكم ، وكذا قال سيبويه في قوله تعالى : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ « 1 » أي : اذهبا على رجائكما . والثاني : أنها للتعليل ، أي اعبدوا ربّكم لكي تتقوا ، وبه قال قطرب والطبري « 2 » وغيرهما وأنشدوا : 263 - وقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا * نكفّ ووثّقتم لنا كلّ موثق فلمّا كففنا الحرب كانت عهودكم * كلمع سراب في الملا متألّق « 3 » أي : لكي نكفّ الحرب ، ولو كانت « لعلّ » للترجي لم يقل : ووثّقتم لنا كلّ موثق . والثالث : أنها للتعرّض للشيء ، كأنه قيل : افعلوا ذلك متعرّضين لأن تتّقوا . وهذه الجملة على كلّ قول متعلقة من جهة المعنى باعبدوا ، أي : اعبدوه على رجائكم التقوى ، أو لتتقوا ، أو متعرّضين للتقوى ، وإليه مال المهدوي وأبو البقاء . وقال ابن عطية : « يتّجه تعلّقها ب « خلقكم » ، لأنّ كلّ مولود يولد على الفطرة فهو بحيث يرجى أن يكون متّقيا ، إلّا أنّ المهدويّ منع من ذلك ، قال : « لأنّ من ذرأه اللّه لجهنّم لم يخلقه ليتّقي » ولم يذكر الزمخشري غير تعلّقها ب « خلقكم » ، ثم رتّب على ذلك سؤالين ، أحدهما : أنه كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون كذلك خلق الذين من قبلهم لذلك ، فلم خصّ المخاطبين بذلك دون من قبلهم ؟ وأجاب عنه بأنّه لم يقصره عليهم بل غلّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ ، والمعنى على إرادة الجميع . السؤال الثاني : هلّا قيل « تعبدون » لأجل اعبدوا ، أو اتقوا لمكان « تتّقون » ليتجاوب طرفا النّظم ، وأجاب بأنّ التقوى ليست غير العبادة ، حتى يؤدّي ذلك إلى تنافر النظم ، وإنما التقوى قصارى أمر العابد وأقصى جهده . قال الشيخ « 4 » : « وأمّا قوله : ليتجاوب طرفا النظم فليس بشيء ، لأنه لا يمكن هنا تجاوب طرفي النظم ، إذ نظم اللفظ : اعبدوا ربّكم لعلكم تعبدون ، أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون ، وهذا بعيد في المعنى ، إذ هو مثل : اضرب زيدا لعلك تضربه ، واقصد خالدا لعلك تقصده ، ولا يخفى ما في ذلك من غثاثة اللفظ وفساد المعنى » . والذي يظهر به صحته أن يكون « لعلكم تتقون » متعلقا بقوله : « اعبدوا » ، فالذي نودوا ، لأجله هو الأمر بالعبادة ، فناسب أن يتعلّق بها ذلك ، وأتى بالموصول وصلته على سبيل التوضيح أو المدح الذي تعلّقت به العبادة ، فلم يجأ بالموصول ليحدّث عنه ، بل جاء في ضمن المقصود بالعبادة ، فلم يكن يتعلّق به دون المقصود . قلت : وهذا واضح . وفي « لعلّ » لغات كثيرة ، وقد يجرّ بها ، قال : 264 - لعلّ اللّه فضّلكم علينا * بشيء أنّ أمّكم شريم « 5 »

--> ( 1 ) سورة طه ، آية ( 44 ) . ( 2 ) تقدمت ترجمته . ( 3 ) البيتان في أمالي ابن الشجري ( 1 / 51 ) ، الطبري ( 1 / 365 ) ، القرطبي ( 1 / 227 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 96 ) . ( 5 ) البيت في أوضح المسالك ( 2 / 118 ) ، شرح ابن عقيل ( 2 / 6 ) ، الأشموني ( 2 / 204 ) ، العيني ( 3 / 247 ) ، التصريح ( 2 / 2 ) .